|
بقلم ذ:رضوان
أزهري-أكاد ير.
أستاذ و فاعل جمعوي
06.68.66.47.96
سأبذأ مقالي
هذا في يومي الحزين هذا بعبارة للأستاذ إدريس جنداري : “كنت أزعم
أن الموت يخاف الاقتراب من العظماء الذين يصنعون التاريخ؛ أو على الأقل يمهلهم حتى
حين؛ لخدمة الإنسانية و إنارة طريقها؛ قبل الدخول في الانطفاء الأبدي“.
إن هذه
الجملة خير ما يمكن وصف به مناقب الأستاذ الكبير و الخبير في الإقتصاد و رئيس لجنة دعم الانتاج السينمائي المغربي “ادريس
بنعلي“ و رئيس جمعية “بدائل“ الذي وافته
المنية بإحدى مصحات المدينة الحمراء عن عمر يناهز 69 سنة. فلم يكن سهلا على الملايين
من المغاربة تلقي نبأ وفاته، لما تركه من جليل الأعمال وخيرة التحليلات لمجتمع يرفع
شعار الحداثة بينما يتخبط في رذائل الرشوة و يجتر واقع العشوائية .
لقد كان
الأستاذ بنعلي؛رمزا للمثقف العضوي المهووس بألام وطنه الحبيب المتطلع لغد أفضل
ينعم من خلاله أبناءه بخيراته ويقاسم فيه الغني ألام الفقير ويشاطر فيه البئيس
أمال الغني، أكثر من شوقه لمناصب الواجهة
.إنه فعلا إيقونة مزركشة في الثقافة
المغربية؛ يحملها وعي حاد بلحظات المجتمع؛ و يقودها تفكير منصبا حول تشخيص متبصر للقضايا
الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية التي يعاني منها المغرب.. إن هذا الهاجس هو الذي صنع شخصية الأستاذ إدريس بنعلي ؛ معلما و مناضلا و
مفكرا فذا .
صحيح أن الأستاذ إدريس بنعلي عاش بين ضوء
الكلام، وظُلمة الزمن. ضوء أسنده إليه المغاربة لينير به طريق مسؤولي الأمة و ساساتها في زمن أقل ما يمكن
به وصفه هو الذلقراطية - كما يحلو للمهدي
المنجرة ذلك- و الديمومقراطية- الاستمرار في كراسي المناصب كما كان يحلو للمعمر
القدافي ذلك-، إنه ضوء يلجأ إليه المغاربة لكي يحنّوا ويتذكروا حيناً، ولكي
يستشرفوا ويأملوا، حيناً آخر.
كما يشهد المغاربة ومعهم التاريخ الوطني أن المرحوم لم يكن يتوان قط في الاستجابة للدعوات بغية تنشيط اللقاءات و المحاضرات برحاب
الجامعات و الكليات والمدارس الكبرى ؛ رابطا بذلك ممارسته كأكاديمي و باحث بالتنظير ؛ كما لم يتوان في ربط تنظيره التربوي
بانشغالاته السياسية المرتبطة بالنضال
الوطني و باهتماماته الاقتصادية المتنوعة و الواسعة.
بمثل هذه الأشياء، سأبقى وفيا للإطلاع على مقالاتك ، و سأتذكرك
بمنشوراتك بجريدة المساء خاصة تلك المعنونة
- على سبيل المثال لا الحصر- من قبيل
“ لا توجد أمة كبرى بدون حلم جميل’’ و “ أين اختفى مثقفونا “ و “ لا مكان
ليسار ناعم “و “ محاربة الريع “و “
السياسة المغربية..من مأساة إلى مهزلة “و “ وحوش السياسة“و “ المجلس العلى
للحسابات ..ماذا يفعل بضرائبنا“ و“اعتداء
على الحداثة “ و“عندما
تتماثل بنية الاقتصاد مع بنية
المجتمع “و“ما معنى
الشجاعة السياسية في نظام عبودية“و“صدام الحضارات.. إستراتيجية لا تزال سارية المفعول".
صحيح أن هناك من تكالب عليك، لسبب بسيط أنه غارق إلى أذنيه في التخلف، وصحيح أن فهم البعض ا
للبطولة يتسم بالابتذال، فيجعل من المسؤول التائه في البحث عن المتع و الملذات بطلا و رجل دولة ، كل هذا وأكثر صحيح، ولا سبيل لإنكاره! إنه
عارنا الثقيل، وميراثنا المُر! غير أن الحقيقة – ككل ما يقبله القلب و يصدقه
العقل- ستسطع لا محالة ببزوغ شمس غد مغرب
جميل لتقول للجميع : استفيقوا فهنالك الأبطال العظماء، كما أن هناك باعة صكوك الحرية و التغيير.
و الله سيبقي
في عيننا بطلا ، أضئت مصابيح الوعي
بالحرية، و أبنت لنا سوءة استلابنا
الثقافي. وأججت فينا متعة الواجب و ضرورة وضع اليد في اليد من اجل استشراف أفق غد
أرحب.
و لقد قلت و أكدت بما لا يدع مجال للريب
و الشك بحضورك
القوي في الساحة الوطنية أن الحرية المغروسة في العقل والقلب السليمين، كالحبة
المُلقاة في الأرض الطيبة، تُثمر وتُعطى أُكلها!
إن كان حلمك
الأخير يا أستاذنا لم يكتمل فحسبك أنك زعزعت
أفكار المسؤولين و من يسمون ب الساهرين على تسيير الشأن العام و أفسدت الحفلات التنكرية للمتهورين كما أبنت عن
حلول لمشاكل مستعصية
جنينا ثمار بعضها و نوشك على جني
ثمار باقيها.
وكما بدأت بقولة الأخ إدريس جنداري، سأختم
كلامي بأخرى من عمق باكورته الفكرية: إن ما يمكن قوله في وفاة الأستاذ ادريس
بنعلي – حتى و إن كنت حديت الإطلاع
بكتاباته وتحليلاته - لقد مات الإنسان و
ركب المثقف و المناضل و المربي و المعلم
سفينة الخلود. و أضيف ، لقد رحل النسر العالي دون أن يلتفت الناس و
المختصون أن نبيا سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا قد انسحب من الخشبة التي ما تزال
في أمس الحاجة لكل ممثليها .
و أقول لأهله و لدويه بصفة خاصة و المغاربة عموما، أن سي ادريس بنعلي مازال و سيبقى خالدا في تاريخنا الوطني وذاكرتنا المشتركة ؛ رمزا للمغربي الصبور؛ إن
موت الأجساد سنة الحياة؛ لكن خلود الأفكار بعث و تجدد مستتر للحياة . كما
نبعث برسالة له إلى مثواه مفادها : لقد آن لك الأوان أن تستريح، رسالتك قائمة و متوصل بها من
طرف كل المغاربة ، ألهمت الملايين الذين رأوك والذين لم يروك، و الذين قرؤوا
لك والذين لم يقرؤوا لك، ولأنك لم تغب ـ
شأن كل المغاربة الحقيقيين ـ تحمل الشعلة و وتسير بها أمامنا مبتسما كعادتك، فتحترق بها في
الأخير من أجل أن تنير مسار اللاحقين.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire