بقلم ذ:رضوان
أزهري-أكاد ير.
أستاذ و فاعل جمعوي
06.68.66.47.96
ملخص:
يحاول هذا المقال أن يجيب بقدر كبير من
التحليل عن سؤال الحكامة الإسلامية و مدى تميزها عن غيرها ، و إلى أي حد استطاعت
أو/ و تستطيع الاستجابة
لتطلعات الشعوب العربية أو على الأقل لدول "الحراك والثورات[1]" وذلك من خلال مقارنة نموذجين متميزين في المنطقة، النموذج
المصري ونظريه المغربي.
الكلمات
المفتاحية : الثورات
العربية، الإسلام السياسي، الهوية العربية الإسلامية،
المواطنة،الحكامة الإسلامية، الدولة المدنية الديمقراطية ، الدولة الدينية .
"ليس
في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، و الدعوة إلى الخير، و التنفير من
الشر"
محمد عبده،
الأعمال الكاملة، المجلد الأول، دار الشروق، 1993.
"إذا الشعب يوما أراد الحياة * فلا بد أن يستجيب
القدر
ولا بد لليل أن ينجلي * ولابد للقيد أن ينكسر"
أبو القاسم محمد الشابي "إرادة
الحياة"
"كل نظام لا يحترم حقوق الشعب ومطالبه، سيدخل- أحب
من أحب وكره من كره- مزبلة التاريخ و إن استخدم الصواريخ"
ذ.رضوان
أزهري
تمهيد:
لقد استطاع التيار الديني الإسلامي
السياسي في دول مهد الحراك و الثورات -أو
ما اصطلح على تسميته بدول "الربيع العربي"- و بعض دول الإسثتناء أو ما سميت
ببلدان "التغيير في ظل الاستقرار"( المملكة المغربية نموذجا) الوصول إلى
سدة الحكم عبر بوابة الانتخابات التي شهدت –بالمقابل – اندحار مختلف القوى
المدنية اليسارية و الليبرالية.
هذا المشهد الأولي يفرض على المتتبعين و المختصين في
الشأن السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي استكناهه عن طريق الإشكالية التالية : هل الحكامة الإسلامية في ظل حكم أحزاب التيارات
الدينية مغايرة لسابقيها ؟ وإذا كانت
كذلك، هل لها (الحكومات ذات الأغلبية
الإسلامية) القدرة على تفعيل و تطبيق برامجها ووعودها الانتخابية؟ وذلك من خلال مقارنة نموذجي نظامين مختلفين: نموذج
جمهورية مصر العربية و نموذج المملكة المغربية.
و بناء على ما سبق، يمكن طرح
التساؤلات التالية:
- على ضوء التجربة الميدانية
للتيار الإسلامي في الحكم، ما هي أهم الخصوصيات الحكم الإسلامي بالمنطقة العربية؟
- كيف استطاع التيار الإسلامي
الإطاحة بالقوى السياسية المدنية؟
-ما هي حصيلة التجربة
الميدانية للتيار الإسلامي في الحكم؟ ( مقارنة بين جمهورية مصر و مملكة المغرب).
-هل التجربة الإسلامية في الحكم بديلة أم استمرار للتجارب السابقة؟
-
هل يمكن لأحزاب تيار الإسلام
السياسي أن تساهم في بناء فضاء سياسي يعكس حقيقة دولة المواطنة ويوسع هوامش دائرة
ثقافة احترام الاختلاف؟
-ماهي التحديات الداخلية و
الخارجية التي تواجهها "القوى الملتحية"؟
-ما هي أوجه الاختلاف بين
التيار الإسلامي الديني ( السلفي و الاخواني) و التيار المدني ؟.
- ما هي السيناريوهات الممكنة
لمرحلة ما بعد الثورات؟
وفي محاولة لاستجماع عناصر
ومقاومات الإجابة عن هذه التساؤلات، اقترح منهجية للدراسة تنطلق من تقسيم ثنائي
للموضوع وفق التصميم التالي:
1. خصوصيات الحكم
الإسلامي بدول الثورات على ضوء التجربة الميدانية.
1.1.
مقاربة مفاهيمية لمصطلحات ذات صلة بالحكم الإسلامي
السياسي.
1.2.
أفول التيارات المدنية و سطوع نجم التيارات الدينية في الانتخابات التشريعية: الأسباب و النتائج.
2. الحكم
الإسلامي ما بعد الثورات: الحصيلة و السيناريوهات الممكنة.
1.2. حصيلة التجربة الميدانية
للتيار الإسلامي في الحكم: مقارنة بين جمهورية مصر و مملكة المغرب.
2.2.
نظرة نقدية للتباين و للاختلاف القائم بين التيار الإسلامي الديني ( السلفي و
الاخواني) و التيار المدني .
***
1.
خصوصيات الحكم الإسلامي بدول الثورات على ضوء التجربة
الميدانية.
سنتناول بالدرس و التحليل في هذا المقال، إشكالية
الحكامة الإسلامية على ضوء تجربة أحزاب التيارات الدينية في الحكم من
خلال مقارنة نموذجي نظامين مختلفين: نموذج جمهورية مصر العربية و نموذج المملكة
المغربية، فإن هذه الإشكالية تؤثث بناءها النظري مفاهيم تشكل مفتاح التعرف على
مكونات الموضوع من قبيل الحكامة الإسلامية، الدولة المدنية الديمقراطية ، الدولة
الدينية التيوقراطية، دولة رجال الدين، العلمانية
و الليبرالية . لهذا فاستخدام
الدراسة الحالية "منهج تحليل المفاهيم" بحثاً عن المعاني والدلالات
والوظائف التي حملها هذا المفهوم في السياسة، لكفيل بسبر أغوار الإشكالية السالفة
الذكر.
-
الحكامة الاسلامية:
إذا كان برنامج الأمم المتحدة للتنمية لسنة1997 يعرف الحكامة بأنها ممارسة السلطة
السياسية والاقتصادية والإدارية في إطار تدبير شؤون بلد ما على جميع المستويات.
تقوم على المشاركة،الشرعية،الشفافية،تعزيز سلطة القانون ،العدالة والمساءلة
والمساواة،اللامركزية،و الرؤية الاستراتيجية .
فإن الحكامة الإسلامية هي نمط تسيير يقوم على المرجعية الإسلامية
،فيحتكم مختلف الفاعلين في تسيير الشأن العام إلى الشريعة ، معتبرين أن هذه
الأخيرة ذات أحكام مطلقة و تصلح لكل مكان و زمان.
و يعرفها د.أحمد
مختار الجمال في "الموسوعة السياسية المعاصرة" بكونها مجموع الأسس و المبادئ
و القوانين التي يجب مراعاتها في كل مكان و زمان. تقوم على عدم إصداراي قانون
يخالف قانون الله.
-
الإسلام السياسي:
يعرف د.أحمد مختار الجمال في "الموسوعة السياسية
المعاصرة" الإسلام السياسي بقوله:
إن أول استخدام لمصطلح الإسلام السياسي في التعبير عن
الحكومات الإسلامية يعني الذين يسيسون الأمة في إطار الأمة الإسلامية. لكن
استعماله تنامى منذ العقود الثلاثة الماضية مع صعود المد الإسلامي و الظاهرة
الإسلامية، بمعنى الحركات الإسلامية التي تشتغل بالسياسة و تستهدف الحصول على
الحكم.ويمتل قطاع غزة نموذجا للإسلام السياسي في الحكم .
الإسلام السياسي يرى أن الإنسان لكي تكتمل هويته و تنضج
شخصيته لابد من العودة إلى القرآن و السنة و الامتثال لإرادة السماء.
-
الهوية العربية الاسلامية:
الهوية
كلمة مأخوذة من "هُوَ .. هُوَ" بمعنى جوهر الشيء وحقيقته …. أنها
كالبصمة للإنسان يتميز بها عن غيره".
وتعرف
"الهوية" أيضاً بمعنى "التفرد" فالهوية الثقافية تعني التفرد
الثقافي بكل ما يتضمنه معنى الثقافة من عادات وأنماط سلوك وميل وقيم ونظرة إلى
الكون والحياة.
وتعرف
"الهوية" بأنها عبارة عن "مركب من العناصر المرجعية والمادية
والذاتية المصطفاة التي تسمح بتعريف خاص للفاعل الاجتماعي . ويفسر هذا التعريف الهوية
بقوله "بأن الهوية طالما أنها مركب من عناصر ، فهي بالضرورة متغيرة في الوقت
ذاته تتميز فيه بثبات معين ، مثل الشخص الواحد يُولدّ ويشب ويشيخ وتتغير ملامحه
وتصرفاته وأحياناً ذوقه لكنه يبقى في
الآخر هو نفس الشخص وليس شخصاً آخر".
كما
أن الفهم الواعي للهوية لا يمكن أن يقوم إلا باجتماع أربعة أمور هي: البيئة أو
الوطن في بعديه الطبيعي و البشري، ثم تأتي اللغة باعتبارها أداة تواصل بين سكان
هذا الوطن، ثم إن لهذه اللغة مجموعة من الروافد التي تتجلى أساسا في التراث، و بعد
كل هذا يأتي الدين جامعا لمقومات هذه
الهوية.
وعليه،
فالهوية العربية الإسلامية بأنها "جوهر وحقيقة وثوابت الأمة العربية التي
اصطبغت بالإسلام منذ أن دانت به غالبية هذه الأمة ، فأصبح هو "الهوية"
الممثلة لأصالة ثقافتها ، فهو الذي طبع ويطبع وصبغ ويصبغ ثقافتها بطابعه وصبغته ..
فعاداتها وتقاليدها وأعرافها وآدابها وفنونها وسائر علومها الإنسانية والاجتماعية
، وعلومها الطبيعية والتجريبية ، ونظرتها للكون ، وللذات ، وللآخر ، وتصوراتها
لمكانة الإنسان في الكون من أين أتى ؟ وإلى أين ينتهي ؟ وحكمة هذا الوجود ونمائه ،
ومعايير المقبول والمرفوض ، والحلال والحرام وهي جميعها عناصر لهويتنا …
وفي
ضوء ذلك يمكن تعريف الهوية العربية الإسلامية إجرائياً بأنها "تفرد الشخصية
العربية الإسلامية بمجموعة من الصفات والخصائص التي تميزها عن باقي الهويات الأخرى
والتي تتضمن اللغة والدين والعادات والتقاليد والقيم الأخلاقية ، والتي اصطبغت
بصبغة الإسلام والعروبة منذ أزمنة بعيدة" .
-
المواطنة :
مفهوم
المواطنة مفهوم ذو دلالات مختلفة وقديم قدم الإغريق و الرومان،اذ يعود أصل الكلمة
إلى الوطن .والمواطنة –حسب المادة105 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- هي صفة
الشخص الذي ينتمي من الناحية القانونية
والحقوقية والسياسية إلى وطن ما , يفترض في من ينتمي إليه أ ن يستفيد من
جملة من الحقوق السياسية والمدنية أساسا ثم الاقتصادية والاجتماعية بعد ذلك على
أنه يخضع من ناحية أخرى لواجبات محددة ومرتبطة بصفته مواطنا . ويفهم من ذلك
أن المواطنة بما تحمله من شحنة
حقوقية وسياسية , تعد رديفا للتنظيم السياسي , بمعنى أنها لا تتحقق نظريا إلا في
ظل فظاء ثقافي وسياسي مكتمل التنظيم .
إن المواطنة- كما يتعارف عليها اليوم -هي صفة الشخص الذي يتمتع بكامل حقوقه
السياسية وأهمها حق الانتخاب،حق الترشح للانتخابات، حق التمتع بمختلف الحريات
العامة التي تعطي مدلولا للمشاركة السياسية وأخيرا حق تقلد الوظائف في أجهزة
الدولة.
كما أن مفهوم المواطنة وثيق الصلة
بمفهوم الديمقراطية . ذلك أن انعدام هذه الأخيرة يِؤدي حتما إلى زوال المواطنة, كما تنعدم أيضا في أي بلد يقع تحت هيمنة نظام مستبد أو فردي او تراثي , يعامل أفراد
مجتمعه بوصفهم رعايا أو خداما له.
في نفس المسار التعريفي، يطرح الباحث
اللبناني" ناصيف نصار" في كتابه '' في التربية والسياسة" السؤال
التالي: متى يصير الفرد في الدول العربية مواطنا؟ .
على ضوء هذا السؤال المتمركز حول مفهوم
المواطنة، ميز الباحث بين عدة مصطلحات متقاربة وشبه متداخلة من قبيل المواطن، المواطنة،التربية الوطنية،التربية
المواطنية،الوطنية.
ونظرا
لكون المفاهيم تمثل ميدان للصراع الفكري و المذهبي بين مختلف التيارات
والحركات- كما يؤكد على ذلك الفيلسوف الهندي راما كريشنا(1833.1886) بقوله"غن
عدم تمكن البشر من فهم مقصود بعضهم البعض ، يجعل عملية التفاهم و الحوار بينهم
أمرا في غاية التعقيد والصعوبة-، فلا بأس من تدقيق تلك المفاهيم.
-
المواطن.. المواطنة..الموطن..المواطنية..الوطن:
يعرف المٌواطن: بوصفه الإنسان الذي يستقر في
بقعة أرضية معينة و ينتسب إليها، هذه العلاقة تتميز بالاستمرار و الديناميكية.
يميز ناصيف نصار بين نوعين من التوطن:
§
المواطنة وأساسها الموطن. فالموطن بالنسبة إلى
الفرد هو مكان ولادته أو مكان إستقراره.
§
المواطنية وأساسها الوطن. فالوطن بالنسبة إلى
الجماعة هو تلك القطعة من الكرة الأرضية يشعر من خلالها أفراد الجماعة
بالانتساب إلى الجماعة.
-الوطنية.. المواطنية:
§
المواطنية: ظاهرة نفسية اجتماعية مركبة
قوامها حب الوطن،أرضا وأهلا و السعي إلى خدمة مصالحه.
§
الوطنية :ظاهرة مركبة محورها الفرد من حيث
هو عضو مشارك في الجماعة الوطنية و الدولة، و من حيث هو بهذه الصفة خاضع لنظام
محدد من الواجبات و الحقوق.
-
التربية الوطنية.. التربية المواطنية:
§
التربية الوطنية:
ü
معنى شائع : يدل على كل ما يهتم و يعنى بتنمية
الشعور الوطني و حب الوطن و الاعتزاز به، و بتغذية الولاء الوطني في نفوس الجماعة
الوطنية.
ü
معنى واسع: يدل على التربية التي تتم على
مستوى الوطن بإشراف الدولة الوطنية، حيث توجد و تشمل كل النشاطات التربوية و
التعليمية، و تتفاعل مع ظروف الوطن و حاجاته و تراثه وتطلعاته وأنظمته.
§
التربية المواطنية: فموضوعها تشكيل المواطن،
و تنميته انطلاقا من تصور فلسفي معين لماهية المواطن و من واقع التجربة في حياة
الجماعة الوطنية.
هكذا يتضح أن صفة المواطنة , مهما تعددت
التعاريف والمقاربات ,لا يمكنها أن تتحقق في مدلولها العميق , إلا في فرد يستطيع
أن يكون فاعلا حقيقيا في مجال الحكم القائم , أو الذي يطمح إلى إقامته وهنا يكمن
الفرق بين الحداثة والتخلف في معناها السياسي .
فالمجتمع الحديث سياسيا , لا يمكنه أن يكون
سوى مجتمع مواطنين بما يتطلبه ذلك من مشاركة سياسية نشيطة لهؤلاء في الحياة
السياسية , وارتباط عاطفي وثيق بالوطن , وتضامن كفيل بخدمة الأهداف العليا
المرسومة. دون أن ننسى أن فلسفية المواطنية لا تقبل أن يمتد أي معنى من معاني
العبودية إلى الإنسان، فيؤكد نصار أن " المواطن ليس انسان بصفته مؤمنا.
فالإيمان تجربة روحية أو فكرية ذاتية تتخذ أشكالا موضوعية عندما تتحول إلى عقيدة و
سلوك و نظام، وبما أنه تجربة شخصية ذاتية، فهو من المور التي لا تفرض مضمونها على
أفهام الناس و أفئدتهم فرضا".
-
الدولة المدنية
الديمقراطية: (الديمقراطية: demos وتعني عامة الناس +Kratia و تعني حكم)
تركيب لغويّ ظهر
حديثا في البلدان العربيّة وباللّغة العربيّة، وهي على الأرجح تنفرد به في اللّغة
السّياسيّة المتداولة حاليّا. فصفة المدنيّة تنسب غالبا إلى المجتمع لتعني الفضاء
المتوسّط بين الأسرة والدّولة، أي الجسد الاجتماعيّ المنظّم على نحو إراديّ وبمعزل
عن الطّبقة السياسيّة. وتنسب إلى المواطن لتعني المواطن الذي ينهض بحقوقه وواجباته
من تلقاء نفسه وبكلّ حرّيّة. ويضيفها الفيلسوف الفرنسيّ أتيان باليبار إلى
السّياسة politique de la civilité ليعني بها
"سياسة شروط إمكان السّياسة"، وهي في أساسها "مقاومة للعنف الذي يدمّر إمكان السّياسة
نفسه".
وقد وجدنا في موسوعة ويكبيديا العربيّة مقالا
مخصّصا للدّولة المدنيّة كتب بين جويلية/يوليو 2010 وسبتمبر 2011، وهو ما يؤكّد
حداثة المفهوم، أو على الأقلّ حداثة تداوله على السّاحة السّياسيّة.
يعرّف هذا المقال الدّولة المدنيّة كالتّالي
: "الدولة المدنية هي دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر
عن القومية والدين والفكر." ثمّ يقدّم مجموعة من الشّروط التي لا تتحقّق
صفة الدّولة المدنيّة إلاّ بها، منها "مبدأ المواطنة والذي يعني أن الفرد لا
يُعرف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفا قانونيا
اجتماعيا بأنه مواطن، أي أنه عضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات"، ومنها
عدم "خلط الدين بالسياسة". ويحرص كتّاب المقال على إضافة هذا
المعطى إلى عنصر عدم الخلط بين الدّين والسّياسة : "كما أنها-أي الدّولة
المدنيّة- لا تعادي الدين أو ترفضه. فرغم أن الدين يظل في الدولة المدنية عاملا في
بناء الأخلاق وخلق الطاقة للعمل والإنجاز والتقدم. حيث أن ما ترفضه الدولة المدنية
هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأ التعدد الذي تقوم عليه
الدولة المدنية، كما أن هذا الأمر قد يعتبر من أهم العوامل التي تحول الدين إلى موضوع
خلافي وجدلي وإلى تفسيرات قد تبعده عن عالم القداسة وتدخل به إلى عالم المصالح
الدنيوية الضيقة
و باختصار،فالدّولة المدنيّة هي الدولة التي تكون فيها السيادة للشعب والسلطة للأمة.دولة القانون
والمؤسسات التي يستوي فيها المواطنون جميعا أمام القانون بغض النظر عن أديانهم.
و يعرفها ماجد الكيالي –باحث فلسطيني مقيم
بسوريا- في مقال معنون تحت" ما بعد الثورات: التباينات و التنافسات بين
التيارات الدينية و المدنية" بأنها تعني : تعني التعامل مع المواطنين بغض
النظر عن دياناتهم، و حياد الدولة إزاء المسألة الدينية ،و ضمان الحريات
الدينية، و عدم إقحام الديني في الشأن
الدنيوي، و النص على ذلك في الوثيقة
الدستورية، لتضمن بذلك الحقوق و الحريات لجميع المواطنين.
-
الدولة
الدينية الثيوقراطية: (الثيوقراطية: theos وتعني الدين +Kratia و تعني حكم)
هي الدولة التي
يتولى فيها الحاكم السلطة باسم الدين لا باسم الشعب. كما يعتبر فيها الحاكم نفسه
ظل الله على الأرض، فهو يحكم بالحق الإلهي ولا يحق لأحد أن يحاسبه أو يعزله..
-
دولة رجال الدين:
هي دولة –مثل نظيرتها الثيوقراطية- يتولى
فيها الحاكم السلطة باسم الدين فيتحالف الحاكم مع رجال الدين ليحكم ، وهو يعتبر كل من يعارضه
خارجا على الدين. (مثال: السعودية وإيران والسودان).
-
العلمانية:
حركة اجتماعية
تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الأرضية بدلاً من الاهتمام بالشؤون الدينية، وهى تقوم
على فكرة الاستبدال.. تستبدل العالم الذى نعيشه بالعالم الآخر، وتستبدل الواقع بالغيب
والدنيا بالدين. وبالتالى فإن العلمانية فعلا حركة معادية للأديان جميعاً.
-
الليبرالية: (اسم مذهب مشتق من لفظ LIBER وهى كلمة لاتينية تعنى «الحر»)
حركة وعى اجتماعي
سياسي داخل المجتمع، تهدف لتحرير الإنسان من القيود التى تقيد حريته أو قدراته،
وهى تقوم على احترام استقلال الفرد والحريات السياسية والمدنية، على أن تحرر
الليبرالية ليس مطلقا لكنه مقيد بالقوانين التي تختلف وفقا للأخلاق والقيم من
مجتمع إلى آخر، أما الليبرالية الاقتصادية فهى تتبنى فكرة الاقتصاد الحر الذى يمنع
تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية ويترك السوق لتضبط نفسها بنفسها، وإن كان بعض
المفكرين قد تحدثوا عن الليبرالية الاجتماعية التى تؤيد تدخل الدولة فى الاقتصاد
وتتخذ موقفا وسطا بين الرأسمالية المطلقة والاشتراكية، حيث تسعى لتحقيق موازنة بين
الحرية والمساواة وتحرص على تأهيل الناس للعمل، كما تهتم بالخدمات الاجتماعية مثل
التعليم والضمان الصحى.
و يضيف برهان غليون في مقال بعنوان
"في مخاطر الخلط بين الديمقراطية و الليبرالية" أن الفلسفة الليبرالية
الأصلية تنطلق من اعتقادات ثابتة أساسية
لا تستقيم من دونها.
أولها مبدأ الانسجام
الطبيعي الذي يقضي بأن بحث كل فرد حر عن مصالحه الخاصة لا يتناقض مع تحقيق
المصلحة العامة للجميع، ولكنه يشكل بالعكس ضمانته الحقيقية. ويعني هذا أنه إذا
تركنا كل فرد يبحث بحرية عن مصلحته الخاصة فسنصل إلى انسجام حقيقي في المصالح،
أكثر بكثير مما لو سمحنا للدولة بأن تتدخل لضمان مثل هذا الانسجام أو لاختراعه.
وثانيها أن حقل الحرية
السياسية يتطابق مع حقل الحرية الاقتصادية. ولا يعني هذا مجرد الافتراض بأن
الاقتصاد الحر هو شرط للحرية السياسية أو الديمقراطية فحسب، ولكن أكثر من ذلك أن
الحريات الاقتصادية المجسدة في اقتصاد السوق الحر تقود مباشرة وتلقائيا إلى نشوء
الحريات السياسية وتأكيدها.
وثالثها أن الديمقراطية
والليبرالية متطابقتان تماما، فلا ديمقراطية من دون ليبرالية ولا ليبرالية من
دون ديمقراطية، وبالتالي فالليبرالية تضمن بشكل تلقائي تكافؤ الفرص وآفاق الارتقاء
الاجتماعي والمشاركة السياسية لجميع الأفراد، بقدر ما تضمن النمو والتقدم
الاقتصادي.
لكن الليبرالية كما يعرضها أنصارها وكما عادت إلى التجلي عبر ما يسمى اليوم
بالليبرالية الجديدة التي تحولت إلى مذهب سياسي للقوى الكبرى، قد واجهت ولا تزال
انتقادات كثيرة.
-
اللادينية:
هي
اتجاه فكرى يرفض مرجعية الدين في حياة الإنسان، ويرى أن النص الديني هو مجرد نص
بشرى محض لا ينطوي على قداسة خاصة، ولا يعبر عن الحقيقة المطلقة
إن قراءة و استيعاب هذه التعريفات- و إن كانت مختصرة-
تجعلنا في منأى من الخلط المفاهيمي
لمصطلحات الحقل الدلالي للظاهرة المدروسة، هذا الخلط الذي أصبح اليوم أساس
كثير من الخصومات الفكرية والصراعات المذهبية و النزاعات و المشاذات بين مختلف
القوى الحية السياسية. فأصبح الاختلاف بعيدا من جوهر الفكرة، قريبا من سوء استخدام
المفهوم، فتحول معه الاختلاف إلى خلاف، و النعمة إلى نقمة، وغاب معه المقصد
والغاية.
و يكفي استدلالا في هذا الباب، بقول المفكر الإسلامي
نصر حامد أبو زيد، عندما تكلم عن مستويات الفكر الإسلامي: "إن هناك الدين، و
التدين و الفكر الديني"
بعد التطرق إلى مفاتيح
الإسلام السياسي، فلنلج الآن باب خصوصيات المشروع السياسي الذي يتبناه الإسلام
السياسي، و التي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
-
يشكل التيار الإسلامي ، دعويا كان أم مسيسا، جزءا من
الطيف السياسي في المجتمعات العربية،يتخذ من القرآن الكريم و السنة مرجعا ،و لهذا فأتباع التيار الإسلامي يعملون
بكل قوة على إقامة حكومة دينية يكون الإسلام هو مصدر الشريعة أولا و أن الأحكام
الوضعية التي يجود بها العقل يجب أن تستنبط ما أمكن من ثنايا الشريعة.
كما يصرون أن الإسلام دين ودولة وان الإسلام هو الحل لكل ما يعترض الناس من
أمور و مشاكل و قضايا.
يتكون التيار الإسلامي من فصليين: الفرع الاخواني و الفرع السلفي.هذا الخير
يختلف من النواحي التنظيمية و الفكرية عن الأول من حيت افتقاره للتنظيم، و اختلافه
في المنهج والعمل و الدعوة، وعدم إيمانه بالبيعة والمرشد، وتجمع أنصاره بطريقة
يسهل معها الدخول و الخروج منها بدون شرط أو قيد، فظلا عن جعله التعدد في تأسيس
الأحزاب خيارا مفتوحا عكس الفرع الإخواني الذي يحرص على انخراط الجميع في حزب
واحد. هذا دون أن ننسى أن السلفية عدة توجهات سياسية وعلمية وجهادية، كل واحدة
تتحرك في نطاقها مستقلة بأفكارها و طريقة تمويلها و تدبير أنشطتها.
لكن الجديد في الحركة الإسلامية لما بعد مرحلة الثورة هو: انتهاجها التغيير
السلمي متخلية عن العنف، و فتح الحدود في كيانها الداخلي أمام رؤى مدنية مناجل
التفاعل مثلما فعل القيادي الإخواني عبد المنعم عبد الفتوح الذي خرج عن الجماعة ،
و كون رفقة من الشباب المصري ما سمي ب "التيار المصري" الذي يمثله
"حزب مصر القوية".
-
يبدو المشروع الإسلامي –على ضوء السنتين الأوليين التي
قضتها تيارات الإسلام السياسي بسدة الحكم بدول
الثورات و سنة واحدة بالمملكة- على انه مشروع معارضة، أقصد أن تفتقد لمشروع سلطة
يعبر عن رؤية واضحة، فوجودها أملته ضرورة مرحلية لتنفيذ ما عجزت عن القيام به
الحكومات الفارطة التي خانت و"باعت" الشعب مقابل ريع النظام المستبد.
هذا الوضع انبثق عنه برنامج هزيل للحكم ، و هو المر الذي حوله بسرعة إلى مجرد شعار
سياسي. كما يمكن تفسير كون المشروع الإسلامي انه مشروع معارضة بطول المدة التي
قضاها رموزه في الاضطهاد و العمل السري، مما أفقده الانسيابية و سرعة التأقلم في
ثنايا هذا "الانتقال الناعم" حسب تعبير NYE.
-
الارتباط الوثيق و الغامض بين الجماعة و الحزب في
المشروع الإسلامي،الوثيق: لأن قرارات الرئيس أصبحت تملى من مركز مجلس الإرشاد أو
على الأقل تقدم له من أجل "المباركة"( كبديل للتصديق الدستوري)، الغامض
لأنه سواء تعلق الأمر بالخرجات الإعلامية أو البيانات الصادرة عن أحزاب التيارات
الدينية،نلاحظ تبرأ هذهالأخيرة من تدخل الجماعة في التسيير العام. كما ان الجماعة
تتراجع تارة وتسحب التزام الحزب التابع لها خاصة في اللحظات الحرجة لاسيما أوقات
تكريس الاتفاقات و تحقيق التوافقات مع القوي المدنية. ولعل
النموذج المصري خير دليل على ما نقول .
''على
الرئيس أن يختار إما أن يكون مندوب المرشد في رئاسة الجمهورية فيعمل لصالح الإخوان
المسلمين، وإما أن يكون رئيسا للمصريين يتبنى تحقيق أهداف الثورة حتى لو خالفت
مصلحة الإخوان" علاء الدين الأسواني في مقال " الرئيس الذي يخدم سيدين!!"
إن الجماعة في الحوكمة الإسلامية
هي العقل المفكر، بينما الحزب يبقى الذراع السياسي لها و الحكومة التنفيذية. فيكون
بذلك الحزب هو الشجرة التي تخفي الغابة (أقصد الجماعة). هذه الأخيرة إما أن تكون
ظاهرة للعيان( جماعة الإخوان المسلمين) أو مواربة ( كما هو الحال بالنسبة لحركة
التوحيد و الإصلاح و جماعة العدل و الإحسان بالمغرب).
[1] هذه التسميات
تعرف جذلا سياسيا و أكاديميا ، فمن السياسيينمن يشدّد على أن ربيع الاحتجاجات
ليس ربيعا ديمقراطيا؛ وبتعبير آخر، ليس ربيعا سيفضي مباشرة إلى إقامة أنظمة سياسية
تتبنى قيم الفلسفة الديمقراطية وإن استفادت من آليات ديمقراطية، ومنهم من يزكي
الطرح و الاتجاه في التسمية.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire